24 نيسان/أبريل 2014
RSS Facebook Twitter Linkedin Digg Yahoo Delicious
الثلاثاء, 02 تموز/يوليو 2013 20:57

الإدراك الغائب:

الأخطاء الاستراتيجية للإخوان المسلمين وأزمة 30 يونيو

  إبراهيم غالي
قييم هذا الموضوع
(41 أصوات)

لم يتوقع الرئيس محمد مرسي أو مستشاروه ومساعدوه بقصر الاتحادية وكذلك جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تتمتع بميزة قراءة نبض الشارع في المناسبات الانتخابية على الأقل؛ أن يتحول يوم 30 يونيو إلى يوم للغضب العارم في أنحاء مصر كلها. أخطأت الجماعة خطأ استراتيجيًّا فادحًا، سواء في تصوراتها ومدركاتها لهذا اليوم، أو في رد فعلها إزاء حدث ضخم علمت بتوقيته مسبقًا على عكس النظام السابق الذي ربما أربكته مفاجأة الحدث في يناير 2011.

 

أخطاء استراتيجية
 

ويُشير ذلك إلى عدة خطايا ذهنية وفكرية شكلت سلوك جماعة الإخوان التي -وفقًا لها- خرجت سياسات الرئيس مرسي طوال عام من رئاسته. أول هذه الخطايا أن الجماعة ظلت حبيسة عزلتها وانغلاقها الفكري عن فهم المواطن المصري وطبيعته، فربما لم يتمَّ التعامل معه إلا على أنه صوت انتخابي فقط، وظنت الجماعة أن ذلك سوف يسري حتى وهي تمتلك مقاليد السلطة والحكم.
 

ويتمثل ثاني هذه الخطايا في غياب ثقة الجماعة في سائر التيارات السياسية "المدنية"، وحتى في بعض القوى الإسلامية الحليفة لها، إلى القدر الذي تشككت معه في إمكان مشاركتهم في أعباء السلطة؛ ليكون مبدأ (مشاركة لا مغالبة) مجرد حديث ساقته الجماعة للحصول على أصوات التيار المدني والثوري أثناء جولة إعادة مرسي مع الفريق أحمد شفيق، وهو نفس المنطق الذي أدارت به الجماعة شئون مصر في كافة الأمور، بدءًا من وضع رجال الجماعة في مناصب محلية ووزارية وحتى وضع دستور من بصمة الجماعة وحلفائها دون غيرهم.
 

أما الخطأ الثالث الذي وقعت فيه الجماعة فهو أنها تعاملت مع المصريين من منطق عقلية الضحية، وغلب على تفكيرها بالتالي الانتقام من النظام السابق بدلا من إعلاء مبدأ المصالحة الوطنية للجميع، كما أن عقلية الضحية دائمًا ما تفضل الاستحواذ وتعويض ما فات، وهو ما جعل الجماعة أكثر تسرعًا وبدون تخطيط محكم في محاولات السيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها؛ الأمر الذي أكسبها عداء من قطاعات بيروقراطية عديدة داخل كيان الدولة المصرية، على الرغم من أن هذه القطاعات غالبًا ما لا تهتم بمن هو في الحكم، بل تهتم بأداء عملها بشكل طبيعي.
 

الخطأ الرابع يتمثل في أن الجماعة، وكأنها لم تدرِ ولم تجرب بحور السياسة من قبل، اعتقدت بعد انتهاء ثورة 25 يناير أن مجرد حصولها على المغانم السياسية من برلمان ورئيس وحكومة كفيل بهدم ما تقول عنه "الدولة العميقة" بمصر؛ فتدخلت في عمل المؤسسات كلها بدون تدرج أو منهج، وكأن الأمر مجرد إحلال وإبدال فقط، لتكتسب الجماعة بذلك استعداء الآخرين، وخصوصًا مع اكتشاف سياسة الجماعة التي تقوم على تمكين أعضائها فقط دون مشاركة الآخرين الذين ساهموا بل وبدءوا هم ثورة 25 يناير.
 

ويتمثل الخطأ الاستراتيجي الخامس في رؤية الجماعة للآخرين المخالفين لتوجهاتها وكأنهم لا قوة لهم ولا شعبية، فأغفلت الجماعة أحد المبادئ الثابتة في ممارسات السياسة، وهو أن من يعادي الجميع في وقت واحد يخسر المعركة. من هنا خلقت الجماعة بأيديها عداء مع وسائل الإعلام التي وقفت إلى جانبها من قبل وحتى انتخاب محمد مرسي، ومع مؤسسة القضاء المصري التي لم تنل طوال تاريخها إساءات كتلك التي حدثت خلال العام المنصرم، ومع الغالبية الكبيرة من كبار قيادات وزارة الداخلية حينما سعت الجماعة إلى محاولة إدارة الوزارة بشكل يحقق لها مصالحها فقط، ومع المؤسسة العسكرية من خلال سوء فهم لكيفية إدارة العلاقة مع مؤسسة تعد فاعلا سياسيًّا بارزًا يدير ملفات الأمن القومي الحساسة، ويشارك بشكل ما في إدارة الشئون الداخلية للدولة.

 

إدراك غائب للأزمة
 

وحول الأزمة الراهنة يجوز القول إن أخطاء الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان أثبتت محدودية فكر الجماعة، وحداثتها في ممارسة السياسة؛ فبعيدًا عن سوء الإدارة، وتراجع الأداء في تسيير أمور المواطنين؛ فإن أبرز أخطاء الجماعة هي تصورها أنها في كل مرة تستطيع تمرير ما تريد من قوانين وإجراءات ودستور في ظل تظاهرات خافتة تخرج ثم تختفي، وتصورت أنها بالاعتماد في كل مرة على لغة التهديد والوعيد تردع الآخرين حتى لو كانت المؤسسة الأمنية، وتصورت وفقًا لذلك بشكل دائم أن ثمة مؤامرة تُدَار ضدها دون أدلة كافية، وهو ما أدخل الجماعة في خندق الدفاع الدائم عن النفس من خلال أوهام لا وجود لها، انشغلت بها، وبتحقيق مآربها السياسية، على حساب معالجة بعض أخطاء النظام السابق لتوضح للناس أنها قد تكون مختلفة.
 

وتعود بداية الخطايا "الإخوانية" في كيفية إدارة الأزمة الراهنة إلى شهور مضت؛ فلم تدرك الجماعة أنه سوف يأتي يوم منذ وضع الدستور الجديد ويدرك الجميع أنه دستور غير توافقي، وأن الإعلان الدستوري قد جمع أطياف المعارضة المدنية كلها ضد الجماعة، وأن تقسيم مصر إلى فسطاطين لن يصب في النهاية لصالح الجماعة التي ربما ضخمت في مدركاتها من حجم شعبيتها قياسًا بالنتائج الانتخابية التي لم تعكس حقيقة التنوع الكائن في مصر.
 

ويتبع ذلك أن الجماعة والرئيس أغفلا عن عمد منذ هذا الوقت مدى التراجع المستمر في شعبيتها ورؤيتها لدى العامة، وهي أمور كانت تكشف عنها توجهات الرأي المصري بشكل دائم، حتى هبط سقف تأييد الجماعة إلى أنصارها ومن يسير على شاكلتها، سواء أيديولوجيًّا أو مصلحيًّا، من التيارات الإسلامية الأخرى التي تشبثت الجماعة بالتحالف معهم، ليبدأ وكأنه بمثابة تحالف طبيعي ثم لينتقل إلى تحالف الإخوان مع أقصى اليمين الديني المتشدد دينيًّا وسياسيًّا لتخسر الجماعة حتى بعض حلفائها الإسلاميين مثل جبهة واسعة من التيار السلفي.
 

ومنذ الإعلان عن حملة "تمرد" في أواخر شهر إبريل الماضي ارتأت الجماعة أن ما تقوم به "تمرد" مراهقة سياسية، ولم تنظر إليه إلا من زاوية أنه لا يشكل حجة قانونية ضد الرئيس، حتى بلغنا يوم 30 يونيو الذي قرأته الجماعة بشكل خاطئ، سواء في أهدافه، أو في رسائله، أو في درجة الاستعداد والاحتشاد له.
 

وعلى الرغم من معرفة الرئيس والجماعة المسبق بتاريخ يوم التمرد الكبير، فإنها لم تستفد من حداثة تجربة ثورة 25 يناير ودروسها، فأخطأت أكثر مما أخطأ فيه الرئيس السابق حسني مبارك من تأخر رد الفعل والاستجابة، بل إن الرئيس مبارك كان يقدم تنازلات ما أو يغير الوزارة على سبيل المثال، بينما تعاملت الجماعة مع الحدث على أنه غير موجود، ولم تستوعب رسائل أو قراءة المؤسستين العسكرية والأمنية للمشهد؛ فقطع خطاب الرئيس يوم 26 يونيو كل أمل ممكن في أن تلعب السياسة دورًا محددًا في سير الأحداث، مكتفيًا بالتهديد والوعيد، بل ومستنكرًا بشكل ضمني وجود حملة معارضة واسعة شعارها "التمرد".
 

إن هذه الأخطاء جميعها هي نتاج منطقي لما يسود الجماعات ذات المرجعية الدينية "المتشددة" والأحزاب الأيديولوجية المغلقة لإعلاء التنظيم والجماعة والحزب على أي كيان آخر أكبر حتى لو كان الدولة ذاتها، وطالما أن جماعة الإخوان مارست السلطة بهذا النهج النفعي، فإنها بالمثل ستحاول الخروج من الأزمة بذات النهج، أي الحفاظ على كيان الجماعة وتنظيمها الدولي الذي سيتلقى ضربة قاصمة إذا ما ضعفت الجماعة، أو تلاشت في منشئها الأصلي.


(*) باحث بوحدة الرأي العام في المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية في القاهرة

الآراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعبر عن وجهات نظر كاتبيها فقط ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو سياسة المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية في القاهرة

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة